فخر الدين الرازي

217

تفسير الرازي

فلذلك سماه ميثاقاً ، وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل ، أما النقل فبقوله : * ( والرسول يدعوكم ) * ، وأما العقل فبقوله : * ( وقد أخذ ميثاقكم ) * ومتى اجتمع هذان النوعان ، فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه ، واحتج بهذه الآية من زعم أن معرفة الله تعالى لا تجب إلا بالسمع ، قال : لأنه تعالى إنما ذمهم بناء على أن الرسول يدعوهم ، فعلمنا أن استحقاق الذم لا يحصل إلا عند دعوة الرسول الوجه الثاني في تفسير أخذ الميثاق : قال عطاء ومجاهد والكلبي والمقاتلان : يريد حين أخرجهم من ظهر آدم ، وقال : * ( ألست بربكم قالوا بلى ) * ( الأعراف : 172 ) وهذا ضعيف ، وذلك لأنه تعالى إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ذلك سبباً في أنه لم يبق لهم عذر في ترك الإيمان بعد ذلك ، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلا بقول الرسول ، فقبل معرفة صدق الرسول لا يكون ذلك سبباً في وجوب تصديق الرسول ، أما نصب الدلائل والبينات فمعلوم لكل أحد ، فذلك يكون سبباً لوجوب الإيمان بالرسول ، فعلمنا أن تفسير الآية بهذا المعنى غير جائز . المسألة الثانية : قال القاضي قوله : * ( وما لكم ) * يدل على قدرتهم على الإيمان إذ لا يجوز أن يقال ذلك إلا لمن لا يتمكن من الفعل ، كما لا يقال : مالك لا تطول ولا تبيض ، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل ، وعلى أن القدرة صالحة للضدين ، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله . المسألة الثالثة : قرىء : * ( وقد أخذ ميثاقكم ) * على البناء للفاعل ، أما قوله : * ( إن كنتم مؤمنين ) * فالمعنى إن كنتم تؤمنون بشيء لأجل دليل ، فما لكم لا تؤمنون الآن ، فإنه قد تطابقت الدلائل النقلية والعقلية ، وبلغت مبلغاً لا يمكن الزيادة عليها . * ( هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) * . قال القاضي : بين بذلك أن مراده بإنزال الآيات البينات التي هي القرآن ، وغيره من المعجزات أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وأكد ذلك بقوله : * ( وإن الله بكم لرءوف رحيم ) * ولو كان تعالى يريد من بعضهم الثبات على ظلمات الكفر ، ويخلق ذلك فيهم ، ويقدره لهم تقديراً لا يقبل الزوال لم يصح هذا القول ، فإن قيل : أليس أن ظاهره يدل على أنه تعالى يخرج من الظلمات إلى النور ، فيجب أن يكون الإيمان من فعله ؟ قلنا : لو أراد بهذا الإخراج خلق الإيمان فيه لم يكن لقوله تعالى : * ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم ) * معنى ، لأنه سواء تقدم ذلك أو لم يتقدم ، فخلقه لما خلقه لا يتغير ، فالمراد إذن بذلك أنه يلطف بهم في إخراجهم من الظلمات إلى